أبي حيان الأندلسي

245

البحر المحيط في التفسير

فإن تقتلونا نقتلكم * وان تقصدوا الذم نقصد ونظيره : قتل مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ « 1 » فأوهنوا أي : قتل معهم أناس من الربيين ، فأوهن الباقون ، والعامل في عند : ولا تقاتلوهم ، و : حتى ، هنا للغاية ، وفيه متعلق بيقاتلوكم ، والضمير عائد على عند ، تعدى الفعل إلى ضمير الظرف فاحتيج في الوصول إليه إلى : في ، هذا ، ولم يتسع فتعدى الفعل إلى ضمير الظرف تعديته للمفعول به الصريح ، لا يقال : إن الظرف إذا كان غير متصرف لا يجوز أن يتعدى الفعل إلى ضميره بالاتساع ، لان ظاهره لا يجوز فيه ذلك ، بل الاتساع جائز إذ ذاك . ألا ترى أنه يخالفه في جره بغي وإن كان الظاهر لا يجوز فيه ذلك ؟ فكذلك يخالفه في الاتساع . فحكم الضمير إذ ذاك ليس كحكم الظاهر . فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ هذا تصريح بمفهوم الغاية ، وفيه محذوف . أي : فإن قاتلوكم فيه فاقتلوهم فيه ، ودل على إرادته سياق الكلام . ولم يختلف في قوله : فاقتلوهم ، أنه أمر بقتلهم على ذلك التقدير ، وفيه بشارة عظيمة بالغلبة عليهم ، أي : هم من الخذلان وعدم النصرة بحيث أمرتم بقتلهم لا بقتالهم ، فأنتم متمكنون منهم بحيث لا يحتاجون إلّا إلى إيقاع القتل بهم ، إذا ناشبوكم القتال لا إلى قتالهم . كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ الكاف في موضع رفع لأنها خبر عن المبتدأ الذي هو خبر الكافرين . المعنى : جزاء الكافرين مثل ذلك الجزاء ، وهو القتل ، أي : من كفر باللّه تعالى فجزاؤه القتل ، وفي إضافة الجزاء إلى الكافرين إشعار بعلية القتل . فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي : عن الكفر ، ودخلوا في الإسلام ، ولذلك علق عليه الغفران والرحمة وهما لا يكونان مع الكفر قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ « 2 » وتقدم ما يدل عليه من اللفظ وهو جزاء الكافرين ، وسياق الكلام إنما هو مع الكفار ، وقيل : فإن انتهوا عن المقاتلة والشرك ، لتقدمهما في الكلام ، وهو حسن ، وقيل : عن القتال دون الكفر ، وليس الغفران لهم على هذا القول ، بل المعنى : فإن اللّه غفور لكم رحيم بكم حيث أسقط عنكم تكليف قتالهم ، وقيل : الجواب محذوف ، أي : فاغفروا لهم فإن اللّه غفور رحيم لكم ، وعلى قول : إن الانتهاء عن القتال فقط ، تكون الآية

--> ( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 146 . ( 2 ) سورة الأنفال : 8 / 38 .